بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
بسم الله القائل في كتابه الكريم (((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والصلاة والسلام على الهادي الأمين حين قال "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً , وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خُلُقَه " من منطلق الدعوة إلى كل خير ومن نية صافية وارتكازاً على ماتقدم انطلق في موضوعي هذا لاعلق على مبادئ النقاش واركانه واداب المتحاورين فيما بينهم .
ولكن اولاً وجب تعريف بعض المصطلحات ومنها الجدال....
فالجدال في اللغه هو من الجدل ....والجدل هو اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وحقيقة الجدل في الاصطلاح الشرعي: فتل الخصم ورده بالكلام عن قصده الباطل. وهو مأمور به على وجه الإنصاف وإظهار الحق.
فالقصد هنا رفع الغموض واظهار الحقيقه لا لفرد العضلات وابراز المواهب يقول ابن الجوزي في هذا الخصوص في كتابه "الايضاح"....
(أن معرفة هذا العلم لا يستغني عنها ناظر، ولا يتمشى بدونها كلام مناظر ؛ لأن به تتبين صحة الدليل من فساده ، تحريراً وتقريراً، ولو ترك هذا العلم لأدى إلى الخبط وعدم الضبط)
ولكن ينغى لنا جميعاً معرفة اداب هذا العلم والاخذ بها حتى لا يضيع الهدف والمقصد من وراء ذلك ومن هذه الاهداف واهمها اخلاص النية لله سبحانه وتعالي في رفع الغموض وتصويب الخطا
يقول ابن الجوزي في ذلك (حسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى، فإن آنس من نفسه الحيد عن الغرض الصحيح فليكفّها بجهده، فإن ملكها، وإلا فليترك المناظرة في ذلك المجلس، وليتق السباب والمنافرة فإنهما يضعان القدر، ويكسبان الوزر ، وإن زل خصمه فليوقفه على زلـله ، غير مخجل له بالتشنيع عليه ، فإن أصر أمسك، إلا أن يكون ذلك الزلل مما يحاذر استقراره عند السامعين، فينبههم على الصواب فيه بألطف الوجوه جمعا بين المصلحتين)
ولكن من اخطر ما نعانيه الان في منتدياتنا الثقافيه وتجمعاتنا الفكريه التعنت وعدم الانصات والشلليه التي يرتكز عليها اغلب المناظرين والمحاورين في علم من العلوم فتراه شديد التمسك بفكرته بذئ اللسان في عباراته قليل البيان في شرحه, ومن الغريب ايضا مساندة بعض الاصوات له من باب النصرة للشخص لا للحق , وبذلك تتعالى الاصوات و تسوء العبارات ويضيع الموضوع ويتحول المسار من النقاش المتزن الى المهاترات والمشادات الكلاميه وبذلك تجاهلوا اصول الحوار والنقاش التي ترتكز على البرهان ونقضه يقول المصطفى الامين :" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا اوتوا الجدل"، ثم تلا قوله تعالى"ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون".....
يقول الدكتور احمد الرشيد في مقال نشر له في موقع الاسلام اليوم (فالذي يجادل من أجل بيان الحق يقبل الأدلة الصحيحة ويعمل بمقتضاها إلا إذا كان عنده ما يعارضها مما هو أقوى منها، ولذلك فإنك تجد كثيراً ممن يجادلون بالحق يرجعون عن أقوالهم إذا تبين لهم خطؤها ويأخذون بقول الآخرين ؛ لأن هدفهم الوصول إلى الحق لا الانتصار للنفس.
أما الذي يماري فتجده يصر على رأيه من غير دليل ، ولا يقبل من الأدلة إلا ما يوافق رأيه، ولذا فإنه يتكلف في رد الأدلة وتأويلها وصرفها عن دلالاتها ونحو ذلك مما يدل على أنه لا يريد الحق ، وإنما يقصد الانتصار لنفسه وتحقير غيره.)
ومن هنا تاتي مفردة المراء فالمراء ماخوذ من المماراه :وهي مجادلة ومنازعة وطعن في قول الآخر تزيينًا للقول وتصغيرًا للقائِل بخلافه، ومنه قول الله تعالى: "فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً" والمراد: لا تجادل فيهم على نحو التجهيل والتعنيف...
ومن هنا يتضح ان المتحاورين على قسمين:
القسم الاول . وهو من استرسل في مرائه دون علم يرتكز به فتراه يكثر في النقاش حباً في المراء وفرداً للعضلات وتراه يعول في الانتصار بهذا الحديث على غلبة الجماعه المناصره له لا على الفكره وقوتها وهي الاساس.
القسم الثاني . وهو من اراد من نقاشه ايضاحاُ لفكرة او شرحاً لمقطع بغرض التعلم او رداً لخطا وكل ذلك نصرة للحق لا للشخص.
فالكيس الفطن من المتحاورين وغيرهم احبتي من اصلح نفسه ونهاها عن غيها وابتغى العمل لوجهه سبحانه والمفلس من ضيع اخراه بدنياه ...
فلا عيب في الخطا اذا تبين ولكن العيب كل العيب في الاستمرار به بعد بيانه , فكم من عاقل تنبه وكم من ظالم لنفسه تكبر عن اتباع الحق.
واخيراً اقول اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون احسنه ولا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتها انك انت السميع...
سبحانك لا علم لي الا ما علمتني